مقدمات
لقد مضت مائة عام على المؤتمر الصهيوني الأول، فيها قامت الدولة النازية وفيها أسقطت بعد حرب ضروس، وقامت في أعقاب ذلك الدولة الصهيونية وهي تسعى -الآن- لفرض إرادتها عن طريق ربط مصيرها بمصير المشروع الإمبريالي في المنطقة. ولئن كانت الإبادة النازية ليهود أوربا هي تعبير صادق عن روح الحضارة الغربية، كما أثبت د. المسيري، فإن المشروع الصهيوني قد تمَّثل تلك الروح وعبر عنها في ملحمة تشابك المصالح وتآلف الرؤى واتحاد الخيال الجمعي وتجسد ذلك كله في الدولة الصهيونية.
ويبدو لأول وهلة أن لا صلة البتة بين النازية والصهيونية سوى العداء المتبادل. لكن القول: بائتلاف الجذور الفكرية وإثبات التعاون المتبادل بينهما لحل مشكلة يهود أوربا، أمرٌ يبدو في غاية الغرابة.
من خلال دراسة عميقة وشاملة لمعنى الإبادة في الحضارة الغربية وتحليل حدث إبادة يهود أوربا على يد الدولة النازية وفهم الظاهرة في إطارها الحضاري الغربي، نجح المسيري في بيان منطقية فكرة الإبادة في نسق الحضارة الغربية وخطل القول الشائع بان الإبادة "مجرد جريمة ارتكتبها الألمان على وجه الخصوص ضد اليهود وحدهم" (ص11)، وكذلك التخليط والتعمية المركبة التي تجنح إليها كثير من الأدبيات الغربية والصهيونية على وجه الخصوص حينما تحول الإبادة إلى أيقونة تشير إلى ذاتها وتستحيل إلى سر يعجز العقل عن إدراكه.
يحاول هذا الكاتب الانتقال من مستوى السرد السياسي للأحداث إلى مستوى النماذج التفسيرية للظواهر الحضارية المعقدة، لا شك أن مثل هذه المحاولة أمر مطلوب للنفاذ من خلال ركام المعلومات المتولدة من حمأة الصراع السياسي اليومي إلى مستوى أعمق في فهم الظواهر الحضارية. وهذا بالطبع يعيننا على فهم الآخر بصورة أكثر موضوعية، ويتيح لنا كذلك مساحات أوسع لفهم أنفسنا إزاء الآخر.
لذلك مثله مثل أي محاولة تسعى لشق طريق جديد وغير مألوف تجد صاحبه يركب المناهج ويستحدث الآليات البحثية حتى يتسنى له بيان أطروحة، أو إعادة فهم حدث في إطار أوسع وأشمل. "فحدث إبادة النازية ليهود أوربا" يثير إشكاليات حضارية وأخلاقية تتصل بصميم الحضارة الغربية، والذهول عن ذلك بجعل الأمر كله متصلاً بألمانيا الحركة النازية فيها يفسد فهم الظاهرة ويوقعنا في أسر الرؤية الصهيونية التي تسعى لتوظيف الحدث لأغراضها الخاصة، والتي ليس من صاحلها نهوض وعي يكشف الأبعاد الحقيقية لذلك الحدث، ويعري الصهيونية ويجعلها والنازية توأمين لأب واحد، هو الحضارة الغربية. إذاً فالمنهج الذي استخدمه المسيري يرفض منطق مراكمة المعلومات والحقائق ورصها في إطار سردي وتجميعي مباشر، ويدعو إلى دراسة الظواهر التاريخية الحضارية من خلال نماذج تفسيرية. ومثل هذه النماذج تعين على فهم الغايات النهائية التي تحدد سلوك الإنسان وتزوده بالمعايير الأخلاقية والأسس الحضارية، وذلك بالطبع لا يجعل من الإنسان آلة صماء، ولكنه يكيف سلوكه ضمن إطار يتيح له إمكانات الفعل الحضاري. وقد حاول المسيري عرض إشكالية الصلة بين النموذج الغربي المهيمن ومسألة الإبادة النازية لليهود، مبيناً كيف أن ذلك يجلي لنا بعمق واحدة من خصائص الحضارة الغربية المتعلقة بالفصل التام بين الأخلاق والعلم، فالعلم التجريبي فيها منبت عن قيم الأخلاق والضمير، ولذلك أفرزت هذه الحضارة ظواهر ذرائعية غريبة تركز على عقلانية الإجراءات والوسائل، ولا تُعنى بعقلانية الهدف الذي قامت تلك الوسائل لإنجازه.
وقد ذهب المسيري إلى أبعد من ذلك في بيانه لهذا التزواج الفريد بين العقلانية واللاعقلانية في الحضارة الغربية من حيث إن الحضارة الغربية الحديثة هي نتاج حركة التنوير العقلانية والحركة الرومانسية المعادية للتنوير.
ولا شك أن النظر إلى الصلة بين الصهيونية والنازية بهذه الكيفية يثير كثيراً من الإشكالات والقضايا التي تجعلنا نعيد النظر في كثير من "الثوابت" التي تحاول الحضارة الغريبة وأبواق الدعاية الصهيونية بثها وجعلها من الأمور البدهية التي لا جدال حولها. والحال كذلك فإن محاولة المسيري في الربط بين الصهيونية والنازية في إطار أطروحة نهاية التاريخ يجعلها مخالفة لـ"ثوابت" النظر الغربي، تلك "الثوابت" التي بُنيت عبر شبكة من الدعاية وتكثيف الرؤى حتى عاد الخروج عليها أمراً يحتاج إلى حساسية فائقة وصبر في لملمة شتات الدليل لإعادة بناء الصورة الصحيحة وعدم الدخول في مناوشات جانبية تعمي عن الهدف الأساسي.
هذه الجرأة في العرض تقتضي آليات بحثية جديدة ومنطقاً فريداً يعين على استقصاء الحقائق والمعلومات من السياقات التي اتخذتها الحضارة الغربية والصهيونية على وجه التحديد، لإعادة تركيب الحدث التاريخي لخدمة الدعاية الصهيونية. وهذا ما جعل المسيري يبتكر ما أسماه "بالتوثيق المضاد" (ص16، وص 295، 296)، فهو لم يكتشف وثائق جديدة لبيان تعاون الصهيونية أو بعض الجماعات اليهودية مع النازية، وإنما نظر في الكم الهائل من المعلومات المتوافرة لدينا، وهي معلومات صيغت ضمن نموذج تفسيري مضلل. وقد أعمل المسيري ملكته التحليلية الفذة في تحرير هذه المعلومات من نموذجها التفسيري، ثم قام بصياغتها ضمن نموذج تفسيري جديد، أكثر رحابة وأقل تحيزاً، مما جعل تلك المعلومات أكثر اتساقاً وتعبيراً عن روح الحضارة الغربية.
وهناك آلية أخرى جديرة بالانتباه والتحرير في هذا المقام، أشار إليها المسيري في بحثه القيم، وهي أهمية الوعي بتشابك مستويات الحضارة الغربية، والوعي بذلك يقتضي أن يلم الباحث بأدوات ومعلومات يقصر عنها الأكاديمي المتخصص، ولكنها تتاح لباحث موسوعي رحب في نظره للظواهر الحضارية، فالتشابك بين الأدب والمسرح والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسينما والعلم الطبيعي، التشابك بين كل هذه المعارف والنظر إليها في إطار نسيج جامع يحتاج إلى موسوعية وقدرة عالية لفهم تجليات الكل في الجزء. وقد بيّن المسيري ذلك ودلل عليه بطريقته في صياغة حجة الكتاب الأساسية دون أن ينبه القارئ إلى ذلك الأمر صراحة.
إذاً فالتوثيق المضادّ والنظر الموسوعي العميق قد يسرا على المسيري تحقيق قدر من الموضوعية في إثبات صحة أطروحته الأساسية في أهمية النظر إلى ظاهرة الإبادة النازية لليهود ضمن نموذج تفسيري حضاري معرفي، ليفضي كل ذلك في نهاية الأمر إلى فهم أعمق للصلة بين النازية والصهيونية ومسألة نهاية التاريخ، في إطار فهم عميق للحضارة الغربيةالحديثة وطرائقها في التعبير عن نفسها إزاء الآخر. وهل ثمة فرق بين نظر الحضارة الغربية لجريمة أوشفتز وجريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت؟ هذه الأسئلة الحيوية تجد لها إجابات أكثر إقناعاً وتماسكاً من الإجابات المعهودة.
والكتاب بذلك حصيلة تأملات عميقة في قضايا الصهيونية والنازية ودعاوى نهاية التاريخ في الحضارة الغربية منظوراً إليها وفق نهج حضاري معرفي. وقد امتدت هذه التأملات منذ أوائل السبعينيات في سلسلة من الدراسات أنجزها المسيري في كتابه نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني، ثم في كتابه في بداية الثمانينيات الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة (من جزأين). ولعل الدراستين هما امتداد لنفس الاتجاه في محاولة فهم الظاهرة الصهيونية والنازية في سياق أوسع هو الحضارة الغربية وتاريخها الفكري. من ذلك يتضح امتداد الاتجاه في محاولة فهم الظاهرة الصهيونية والنازية وفكرة نهاية التاريخ. بالطبع لم يبتكر المسيري هذا الأمر ولكن بدأت إرهاصات مثل هذا النظر في الربط بين النازية والحضارة الغربية في الفكر الغربي نفسه منذ مطلع الستينيات كما أثبت المسيري حيث اتجه النظر إلى تحليل الظاهرة النازية في مستواها الحضاري لكن تلك المحاولات كانت دائماً في إطارها الحضاري الكلي. وحينما تتابعت الدراسات فيما بعد أسقطت من الحسبان إمكانية الربط بين النازية والإمبريالية أو الصهيونية. ولعلَّ الدراسات العربية كما بيّن المسيري أفضل حالاً في الوعي بالجانب السياسي المباشر كما هو في دراسة أبي مازن: الوجه الآخر: العلاقات السرية بين النازية والصهيونية، أو دراسة على محافظة: العلاقات الألمانية الفلسطينية، من إنشاء مطرانية القدس البروتستانينية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1841-1945.
ولا شك أن دراسة المسيري قد طورت أطروحة جديدة وطريقة جديدة في النظر لم يغفل المسيري بيان التاريخ الشخصي لتلك الأطروحة ووضعها في سياقها التاريخي الذي أدى إلى تطويرها وصياغتها في شكلها النهائي لبيان محورية فكرة نهاية التاريخ في بنيات الفكر النازي والصهيوني، معاً وبيان ارتباط كليهما بالسياق الحضاري الغربي بصورة تؤكد صعوبة الفصل بينهما وبين سياقهما الحضاري. فالصهيونية والنازية هما ناتج طبعي لتطور الفكر الحضاري الغربي، ويصعب على الدارس تفسير ظهورهما خارج ذلك السياق. صحيح أن المسيري قد توصل إلى هذه النتيجة الخطيرة في الربط بين النازية والصهيونية بعد طول بحث وتأمل وتوسيع لدائرة النظر في الانتقال من الخاص إلى العام ومحاورة العام، بمفهوم خصوصيات الاهتمام التي ولّدها الصراع السياسي المباشر، ثم اختراع النماذج التفسيرية التي تعين على إدراك معنى الخاص في العام، وتساعد على تفسير جملة من الأحداث التي تبدو لأول وهلة متناثرة ومفككة يعوزها السياق الجامع. فإن كان ثمة فائدة وراء طريقة السرد والتفكيك والترتيب والتحقيق والتوثيق المضاد ثم بيان النموذج التفسيري والتاريخ الشخصي لاختراع ذلك النموذج التفسيري، فإنها تكمن في أننا إزاء مؤلف يبين لنا طريقته في صياغة حجته ولا يكتفي بالإشارة إلى ما جعله ينشئ نص كتابه، وإنما يبدي تلك المسوغات والظروف النفسية والتاريخية التي صاغت المؤلف نفسه وتركت أثرها واضحاً في حجة النص الأساسية.
من هنا ينتقل المسيري إلى قضية مهمة، وهي كيف يمكن أن نقرأ هذا الكتاب الذي يحتوي على أربعة فصول وملحق هو عبارة عن تفصيل وشرح للأطروحات النظرية والمنهجية الأساسية. يرى المسيري أنه يمكن قراءة الملحق أولاً، وبذلك "ينتقل من العام إلى الخاص، أو من دراسة النموذج إلى دراسة الحالة" (ص19). ولعل الملحق علاوةٌ على النص الأساسي للكتاب، لكنك لا تستطيع أن تفهم أطروحات المسيري -في التسعينيات- حول كثير من القضايا إن لم تنظر في ذلك الملحق، على الرغم من أن الدراسة قائمة بذاتها نصاً متكاملاً، إلا أن الملحق هو بمنـزلة مقدمة لازمة "لعالم المسيري الاصطلاحي". وقد كتب بكيفية فيها تكثيف وتحقيق أفضل بكثير من الكتابة الموسوعية التعريفية بتلك المصطلحات بسبب أن الرابط بين جملة تلك المصطلحات والمفاهيم في إطار الملحق هو محاولة لمساعدة القارئ على الدخول في عالم المسيري الاصطلاحي، وكذلك محاولة صياغة مفاهيم واصطلاحات جديدة تعين على فهم ظواهر فكرية داخلها كثير من التشويش والتخليط بسبب الغرض وصراع المصالح، وبسبب أننا في العالم الإسلامي ضحايا لإمبريالية المصطلحات التي كثيراً ما تسعى لسلبنا حق التعبير والفهم لذواتنا إزاء الآخر. فإن كان الأمر كذلك فالملحق ضروري لفهم الدراسة، وربما يرى بعضهم أن التأمل في تلك المصطلحات هو الذي أنتج الدراسة -باعتبارها حالة نموذجية- أو هو خاص بعالم عبر عنه المسيري في الملحق. لكننا نقول: إن جدليات العام والخاص ليست بهذه البساطة، فالمسيري كاتب موسوعي، لكن موسوعيته ليست السعي لمجرد السرد فقط، وإنما هو صاحب موقع في الحضارة العربية الإسلامية وصاحب موقف من الصراع العربي الإسرائيلي. فكل ذلك يجعل من الموسوعية في تفكيره وإنتاجه الفكري موسوعية نماذج تفسيرية، وليست موسوعية تجميع. وذلك لا شك يجعل الانتقال من الملحق (العام) إلى متن الدراسة (الخاص) ليس مجرد انتقال من عام إلى خاص، وإنا انتقال من عام له خصوصيته الفكرية إلى خاص يمكن أن يعمم بوصفه نموذجاً تفسيرياً لدراسات أخرى في قضايا.
القضايا الرئيسة
يحتوي هذا الكتاب على أربعة فصول وملحق، فضلاً عن المقدمة وقائمة المصادر والمراجع، وتقديم الكتاب كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل. أما المقدمة والمراجع والملحق فتمثل الكيفيات التي على أسسها صيغ متن هذا الكتاب من حيث مادته وطريقة التوثيق فيها، وهي مهمة نموذجه التفسيري ومصطلحاته ومفاهيمه.
أما تقديم الكتاب الذي تولاه الأستاذ محمد حسنين هيكل فهو افتتاح طيب واعتراف متبادل للفضل في فهم الصراع العربي الإسرائيلي وإدارته.
وأخيراً فإن إهداء الكتاب إلى رجاء جارودي بعد استئذانه في هذا الشأن لهو أمر فيه اعتراف بفضل جارودي وبأهمية قراءة هذا الكتاب باستصحاب أطروحات جارودي في كتابيه حوار الحضارات، والأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية كما بين المسيري. كل هذا الزخم قبل الدخول في عرض قضايا الكتاب الرئيسة له معنى واحد هو أنه كتاب في غاية التعقيد بسبب أصالة أطروحته الأساسية ومفارقتها للشائع في فهم الصلة بين النازية والصهيونية في إطار فكرة نهاية التاريخ في الحضارة الغربية.
يعالج الفصل الأول قضية الإبادة النازية ليهود أوربا، ويحاول أن يضعها في سياقها الحضاري الغربي العام. فبعد أن يحلل المسيري جملة المصطلحات التي استخدمت للتعبير عن ظاهرة الإبادة في اللغات الأوربية وفي اللغة العبرية والظلال المختلفة التي اتخذها مفهوم الإبادة هذا، ينتقل إلى بيان أهمية النظر إلى المصطلح بأنه في الأصل "الإبادة النازية ليهود أوربا"، وهذا المصطلح بهذه الكيفية له قدرة تفسيرية أفضل من مصطلح "الهولوكست" ومصطلح "شواه"، وكذلك مصطلح "الحل النهائي".
ويقول المسيري: "أما مصطلحنا فقد حدد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني الأوربي" (ص 24)، وكذلك فإن وصف الظاهرة بهذه الكيفية يضمر معنى الإشارة إلى أقليات أخرى شملتها تلك الإبادة.
إن هذا الاتجاه من المسيري في تعريف ظاهرة الإبادة جعله يضعها في سياق يفيد في فهمها والتعبير عنها في مجال حضاري حاول التنصل منها لأسباب سياسية مؤقتة، وقد أعيد إنتاجها ضمن تعمية سياسية قصد منها إخفاء معالم جريمة تضع الحضارة الغربية أما مأزق إنساني خطير.
لإثبات ذلك تتبع المسيري أولاً المعالم الرئيسة للحضارة الغربية في فهمها للشخصية الإنسانية، ولموضع القيم وموضع الآخر من ذلك النسق، وكيف أن الجماعة اليهودية على مر العصور في الحضارة الغربية كان ينظر إليها بوصفها جماعة وظيفية تتم "حوسلتها" دائماً ضمن أنساق معرفية من كونها "الشعب الشاهد" عند الكنيسة الكاثوليكية، أو أداة استغلال فائض القيمة عند النبلاء، أو عندما ظهرت الفكرة البروتستانتينية اليهودية تفهم ضمن نسق العقيدة الألفية الاسترجاعية. لكن المسيري يرجّح أن العنصر الحاسم في ظهور نـزعة الإبادة في الغرب "هو الرؤية الغربية الحديثة للكون"، وهي رؤية يصفها بأنها "مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب" (ص 26). ثم يبين لنا التدرج التاريخي الذي مرت به هذه الرؤية إلى أن وصلت مرحلة العلمانية الشاملة التي فصلت بين الإنسان والمرجعية المعيارية الغائيّة، فصار الإنسان جزءاً من الطبيعة المادية، وصارت الفلسفة التي تحكمه فلسفة مادية نفعية تجرده من معاني الأخلاق والمسؤولية. وحيال هذه النظرة للإنسان أصبح من الممكن تقسيم البشر إلى "سوبرمن" إمبرياليين يتحكمون في البقية من "السبمن" الذين بطبعهم يذعنون لكونهم أدوات طيعة في يد "السوبرمن". ومن ثم يكون القانون الوحيد المتحكم في هذه العلاقة هو قانون القوة، وعليه تسقط كل القيم الأخلاقية الميتافيزيقية وتصبح هذه الفلسفة الإمبريالية الأداتية هي المسوغ لشبكة العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين البشر. والأمر الذي يفضي إلى النظر إلى البشر "بمنظور مدى نفعهم وفائدتهم ويترتب على ذلك تصنيف البعض بعدم النفع والفائدة وبذلك يصبح هؤلاء عبارة عن فائض بشري تدعو الضرورة العقلية إلى التخلص منهم دون الإحساس تجاههم بأي نوع من التعاطف بسبب أن الأمر كله مرتبط بهذا القانون الموضوعي الجامد (اللاإنساني) الذي ينبثق من هذه الرؤية المادية الواحدية. ثم يورد المسيري بعض العناصر التي ساعدت على بروز هذا الاتجاه في الحضارة الغربية ابتداءً يتصاعد معدلات "المشيحانية العلمية" ومروراً بظهور الأيديولوجيات العلمانية الشاملة مثل الماركسية، والفاشية، وانتهاءً بجملة من النـزعات التجريدية في مستوى المؤسسات، والمجتمع، والدولة المركزية والتي أدت في نهاية الأمر إلى تذويب الشخصية الإنسانية وتجريدها من قيمها الأخلاقية المطلقة وإدراجها في حالة من السيولة النسبية، أي تفكيك الشخصية الإنسانية ونـزع الصفة الإنسانية منها وتحويلها إلى مادة محضة قابلة إلى "الحوسلة"، وتلك هي "قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل" (ص 26).
ويربط المسيري هذا التطور في المصطلحات في التعبير عن الشخصية الإنسانية بمصطلح "نهاية التاريخ"، على أساس أنه في نهاية التاريخ يتم التحكم التام في الإنسان وفي كل شيء، وينتهي الإنسان باعتباره ذلك الكائن الذي يحتل مركز الكون الطبيعي ويتحول إلى شيء من أشياء الطبيعة يمكن "حوسلته". ويذهب المسيري إلى أن هذا التطور الخطير في النظر إلى الإنسان هو الذي جعل الإبادة إمكانية هائلة في التحقق. وبالطبع فهذا يقوّي من منطق الضرورة المنطقية أو الحتمية في الربط بين الإبادة وهذه الرؤية الواحدية المادية الشاملة.
والعقيدة النازية نتاج طبعي لهذا التطور القومي والتجريدي لمفهوم الدولة. وعليه فإن النتيجة المنطقية لتلك العقيدة النازية هي ظاهرة الإبادة التي لم تكن موجهة ضد اليهود وحدهم، ولكنها ضد تلك الطوائف التي تقف في طريق تنفيذ مثل الحلولية الوثنية كما تجسدت في الدولة الألمانية.
أما الفصل الثاني فهو أهم فصل في الكتاب إذ يعالج فيها بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا ويعرض هذه الإشكاليات في محاور ثلاثة:
لمتابعة الموضوع الشيق والمفيد انتقل الى الرابط ادناه
منقول
http://eiiit.org/article_read.asp?articleID=422&catID=257&adad=275
لقد مضت مائة عام على المؤتمر الصهيوني الأول، فيها قامت الدولة النازية وفيها أسقطت بعد حرب ضروس، وقامت في أعقاب ذلك الدولة الصهيونية وهي تسعى -الآن- لفرض إرادتها عن طريق ربط مصيرها بمصير المشروع الإمبريالي في المنطقة. ولئن كانت الإبادة النازية ليهود أوربا هي تعبير صادق عن روح الحضارة الغربية، كما أثبت د. المسيري، فإن المشروع الصهيوني قد تمَّثل تلك الروح وعبر عنها في ملحمة تشابك المصالح وتآلف الرؤى واتحاد الخيال الجمعي وتجسد ذلك كله في الدولة الصهيونية.
ويبدو لأول وهلة أن لا صلة البتة بين النازية والصهيونية سوى العداء المتبادل. لكن القول: بائتلاف الجذور الفكرية وإثبات التعاون المتبادل بينهما لحل مشكلة يهود أوربا، أمرٌ يبدو في غاية الغرابة.
من خلال دراسة عميقة وشاملة لمعنى الإبادة في الحضارة الغربية وتحليل حدث إبادة يهود أوربا على يد الدولة النازية وفهم الظاهرة في إطارها الحضاري الغربي، نجح المسيري في بيان منطقية فكرة الإبادة في نسق الحضارة الغربية وخطل القول الشائع بان الإبادة "مجرد جريمة ارتكتبها الألمان على وجه الخصوص ضد اليهود وحدهم" (ص11)، وكذلك التخليط والتعمية المركبة التي تجنح إليها كثير من الأدبيات الغربية والصهيونية على وجه الخصوص حينما تحول الإبادة إلى أيقونة تشير إلى ذاتها وتستحيل إلى سر يعجز العقل عن إدراكه.
يحاول هذا الكاتب الانتقال من مستوى السرد السياسي للأحداث إلى مستوى النماذج التفسيرية للظواهر الحضارية المعقدة، لا شك أن مثل هذه المحاولة أمر مطلوب للنفاذ من خلال ركام المعلومات المتولدة من حمأة الصراع السياسي اليومي إلى مستوى أعمق في فهم الظواهر الحضارية. وهذا بالطبع يعيننا على فهم الآخر بصورة أكثر موضوعية، ويتيح لنا كذلك مساحات أوسع لفهم أنفسنا إزاء الآخر.
لذلك مثله مثل أي محاولة تسعى لشق طريق جديد وغير مألوف تجد صاحبه يركب المناهج ويستحدث الآليات البحثية حتى يتسنى له بيان أطروحة، أو إعادة فهم حدث في إطار أوسع وأشمل. "فحدث إبادة النازية ليهود أوربا" يثير إشكاليات حضارية وأخلاقية تتصل بصميم الحضارة الغربية، والذهول عن ذلك بجعل الأمر كله متصلاً بألمانيا الحركة النازية فيها يفسد فهم الظاهرة ويوقعنا في أسر الرؤية الصهيونية التي تسعى لتوظيف الحدث لأغراضها الخاصة، والتي ليس من صاحلها نهوض وعي يكشف الأبعاد الحقيقية لذلك الحدث، ويعري الصهيونية ويجعلها والنازية توأمين لأب واحد، هو الحضارة الغربية. إذاً فالمنهج الذي استخدمه المسيري يرفض منطق مراكمة المعلومات والحقائق ورصها في إطار سردي وتجميعي مباشر، ويدعو إلى دراسة الظواهر التاريخية الحضارية من خلال نماذج تفسيرية. ومثل هذه النماذج تعين على فهم الغايات النهائية التي تحدد سلوك الإنسان وتزوده بالمعايير الأخلاقية والأسس الحضارية، وذلك بالطبع لا يجعل من الإنسان آلة صماء، ولكنه يكيف سلوكه ضمن إطار يتيح له إمكانات الفعل الحضاري. وقد حاول المسيري عرض إشكالية الصلة بين النموذج الغربي المهيمن ومسألة الإبادة النازية لليهود، مبيناً كيف أن ذلك يجلي لنا بعمق واحدة من خصائص الحضارة الغربية المتعلقة بالفصل التام بين الأخلاق والعلم، فالعلم التجريبي فيها منبت عن قيم الأخلاق والضمير، ولذلك أفرزت هذه الحضارة ظواهر ذرائعية غريبة تركز على عقلانية الإجراءات والوسائل، ولا تُعنى بعقلانية الهدف الذي قامت تلك الوسائل لإنجازه.
وقد ذهب المسيري إلى أبعد من ذلك في بيانه لهذا التزواج الفريد بين العقلانية واللاعقلانية في الحضارة الغربية من حيث إن الحضارة الغربية الحديثة هي نتاج حركة التنوير العقلانية والحركة الرومانسية المعادية للتنوير.
ولا شك أن النظر إلى الصلة بين الصهيونية والنازية بهذه الكيفية يثير كثيراً من الإشكالات والقضايا التي تجعلنا نعيد النظر في كثير من "الثوابت" التي تحاول الحضارة الغريبة وأبواق الدعاية الصهيونية بثها وجعلها من الأمور البدهية التي لا جدال حولها. والحال كذلك فإن محاولة المسيري في الربط بين الصهيونية والنازية في إطار أطروحة نهاية التاريخ يجعلها مخالفة لـ"ثوابت" النظر الغربي، تلك "الثوابت" التي بُنيت عبر شبكة من الدعاية وتكثيف الرؤى حتى عاد الخروج عليها أمراً يحتاج إلى حساسية فائقة وصبر في لملمة شتات الدليل لإعادة بناء الصورة الصحيحة وعدم الدخول في مناوشات جانبية تعمي عن الهدف الأساسي.
هذه الجرأة في العرض تقتضي آليات بحثية جديدة ومنطقاً فريداً يعين على استقصاء الحقائق والمعلومات من السياقات التي اتخذتها الحضارة الغربية والصهيونية على وجه التحديد، لإعادة تركيب الحدث التاريخي لخدمة الدعاية الصهيونية. وهذا ما جعل المسيري يبتكر ما أسماه "بالتوثيق المضاد" (ص16، وص 295، 296)، فهو لم يكتشف وثائق جديدة لبيان تعاون الصهيونية أو بعض الجماعات اليهودية مع النازية، وإنما نظر في الكم الهائل من المعلومات المتوافرة لدينا، وهي معلومات صيغت ضمن نموذج تفسيري مضلل. وقد أعمل المسيري ملكته التحليلية الفذة في تحرير هذه المعلومات من نموذجها التفسيري، ثم قام بصياغتها ضمن نموذج تفسيري جديد، أكثر رحابة وأقل تحيزاً، مما جعل تلك المعلومات أكثر اتساقاً وتعبيراً عن روح الحضارة الغربية.
وهناك آلية أخرى جديرة بالانتباه والتحرير في هذا المقام، أشار إليها المسيري في بحثه القيم، وهي أهمية الوعي بتشابك مستويات الحضارة الغربية، والوعي بذلك يقتضي أن يلم الباحث بأدوات ومعلومات يقصر عنها الأكاديمي المتخصص، ولكنها تتاح لباحث موسوعي رحب في نظره للظواهر الحضارية، فالتشابك بين الأدب والمسرح والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسينما والعلم الطبيعي، التشابك بين كل هذه المعارف والنظر إليها في إطار نسيج جامع يحتاج إلى موسوعية وقدرة عالية لفهم تجليات الكل في الجزء. وقد بيّن المسيري ذلك ودلل عليه بطريقته في صياغة حجة الكتاب الأساسية دون أن ينبه القارئ إلى ذلك الأمر صراحة.
إذاً فالتوثيق المضادّ والنظر الموسوعي العميق قد يسرا على المسيري تحقيق قدر من الموضوعية في إثبات صحة أطروحته الأساسية في أهمية النظر إلى ظاهرة الإبادة النازية لليهود ضمن نموذج تفسيري حضاري معرفي، ليفضي كل ذلك في نهاية الأمر إلى فهم أعمق للصلة بين النازية والصهيونية ومسألة نهاية التاريخ، في إطار فهم عميق للحضارة الغربيةالحديثة وطرائقها في التعبير عن نفسها إزاء الآخر. وهل ثمة فرق بين نظر الحضارة الغربية لجريمة أوشفتز وجريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت؟ هذه الأسئلة الحيوية تجد لها إجابات أكثر إقناعاً وتماسكاً من الإجابات المعهودة.
والكتاب بذلك حصيلة تأملات عميقة في قضايا الصهيونية والنازية ودعاوى نهاية التاريخ في الحضارة الغربية منظوراً إليها وفق نهج حضاري معرفي. وقد امتدت هذه التأملات منذ أوائل السبعينيات في سلسلة من الدراسات أنجزها المسيري في كتابه نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني، ثم في كتابه في بداية الثمانينيات الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة (من جزأين). ولعل الدراستين هما امتداد لنفس الاتجاه في محاولة فهم الظاهرة الصهيونية والنازية في سياق أوسع هو الحضارة الغربية وتاريخها الفكري. من ذلك يتضح امتداد الاتجاه في محاولة فهم الظاهرة الصهيونية والنازية وفكرة نهاية التاريخ. بالطبع لم يبتكر المسيري هذا الأمر ولكن بدأت إرهاصات مثل هذا النظر في الربط بين النازية والحضارة الغربية في الفكر الغربي نفسه منذ مطلع الستينيات كما أثبت المسيري حيث اتجه النظر إلى تحليل الظاهرة النازية في مستواها الحضاري لكن تلك المحاولات كانت دائماً في إطارها الحضاري الكلي. وحينما تتابعت الدراسات فيما بعد أسقطت من الحسبان إمكانية الربط بين النازية والإمبريالية أو الصهيونية. ولعلَّ الدراسات العربية كما بيّن المسيري أفضل حالاً في الوعي بالجانب السياسي المباشر كما هو في دراسة أبي مازن: الوجه الآخر: العلاقات السرية بين النازية والصهيونية، أو دراسة على محافظة: العلاقات الألمانية الفلسطينية، من إنشاء مطرانية القدس البروتستانينية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1841-1945.
ولا شك أن دراسة المسيري قد طورت أطروحة جديدة وطريقة جديدة في النظر لم يغفل المسيري بيان التاريخ الشخصي لتلك الأطروحة ووضعها في سياقها التاريخي الذي أدى إلى تطويرها وصياغتها في شكلها النهائي لبيان محورية فكرة نهاية التاريخ في بنيات الفكر النازي والصهيوني، معاً وبيان ارتباط كليهما بالسياق الحضاري الغربي بصورة تؤكد صعوبة الفصل بينهما وبين سياقهما الحضاري. فالصهيونية والنازية هما ناتج طبعي لتطور الفكر الحضاري الغربي، ويصعب على الدارس تفسير ظهورهما خارج ذلك السياق. صحيح أن المسيري قد توصل إلى هذه النتيجة الخطيرة في الربط بين النازية والصهيونية بعد طول بحث وتأمل وتوسيع لدائرة النظر في الانتقال من الخاص إلى العام ومحاورة العام، بمفهوم خصوصيات الاهتمام التي ولّدها الصراع السياسي المباشر، ثم اختراع النماذج التفسيرية التي تعين على إدراك معنى الخاص في العام، وتساعد على تفسير جملة من الأحداث التي تبدو لأول وهلة متناثرة ومفككة يعوزها السياق الجامع. فإن كان ثمة فائدة وراء طريقة السرد والتفكيك والترتيب والتحقيق والتوثيق المضاد ثم بيان النموذج التفسيري والتاريخ الشخصي لاختراع ذلك النموذج التفسيري، فإنها تكمن في أننا إزاء مؤلف يبين لنا طريقته في صياغة حجته ولا يكتفي بالإشارة إلى ما جعله ينشئ نص كتابه، وإنما يبدي تلك المسوغات والظروف النفسية والتاريخية التي صاغت المؤلف نفسه وتركت أثرها واضحاً في حجة النص الأساسية.
من هنا ينتقل المسيري إلى قضية مهمة، وهي كيف يمكن أن نقرأ هذا الكتاب الذي يحتوي على أربعة فصول وملحق هو عبارة عن تفصيل وشرح للأطروحات النظرية والمنهجية الأساسية. يرى المسيري أنه يمكن قراءة الملحق أولاً، وبذلك "ينتقل من العام إلى الخاص، أو من دراسة النموذج إلى دراسة الحالة" (ص19). ولعل الملحق علاوةٌ على النص الأساسي للكتاب، لكنك لا تستطيع أن تفهم أطروحات المسيري -في التسعينيات- حول كثير من القضايا إن لم تنظر في ذلك الملحق، على الرغم من أن الدراسة قائمة بذاتها نصاً متكاملاً، إلا أن الملحق هو بمنـزلة مقدمة لازمة "لعالم المسيري الاصطلاحي". وقد كتب بكيفية فيها تكثيف وتحقيق أفضل بكثير من الكتابة الموسوعية التعريفية بتلك المصطلحات بسبب أن الرابط بين جملة تلك المصطلحات والمفاهيم في إطار الملحق هو محاولة لمساعدة القارئ على الدخول في عالم المسيري الاصطلاحي، وكذلك محاولة صياغة مفاهيم واصطلاحات جديدة تعين على فهم ظواهر فكرية داخلها كثير من التشويش والتخليط بسبب الغرض وصراع المصالح، وبسبب أننا في العالم الإسلامي ضحايا لإمبريالية المصطلحات التي كثيراً ما تسعى لسلبنا حق التعبير والفهم لذواتنا إزاء الآخر. فإن كان الأمر كذلك فالملحق ضروري لفهم الدراسة، وربما يرى بعضهم أن التأمل في تلك المصطلحات هو الذي أنتج الدراسة -باعتبارها حالة نموذجية- أو هو خاص بعالم عبر عنه المسيري في الملحق. لكننا نقول: إن جدليات العام والخاص ليست بهذه البساطة، فالمسيري كاتب موسوعي، لكن موسوعيته ليست السعي لمجرد السرد فقط، وإنما هو صاحب موقع في الحضارة العربية الإسلامية وصاحب موقف من الصراع العربي الإسرائيلي. فكل ذلك يجعل من الموسوعية في تفكيره وإنتاجه الفكري موسوعية نماذج تفسيرية، وليست موسوعية تجميع. وذلك لا شك يجعل الانتقال من الملحق (العام) إلى متن الدراسة (الخاص) ليس مجرد انتقال من عام إلى خاص، وإنا انتقال من عام له خصوصيته الفكرية إلى خاص يمكن أن يعمم بوصفه نموذجاً تفسيرياً لدراسات أخرى في قضايا.
القضايا الرئيسة
يحتوي هذا الكتاب على أربعة فصول وملحق، فضلاً عن المقدمة وقائمة المصادر والمراجع، وتقديم الكتاب كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل. أما المقدمة والمراجع والملحق فتمثل الكيفيات التي على أسسها صيغ متن هذا الكتاب من حيث مادته وطريقة التوثيق فيها، وهي مهمة نموذجه التفسيري ومصطلحاته ومفاهيمه.
أما تقديم الكتاب الذي تولاه الأستاذ محمد حسنين هيكل فهو افتتاح طيب واعتراف متبادل للفضل في فهم الصراع العربي الإسرائيلي وإدارته.
وأخيراً فإن إهداء الكتاب إلى رجاء جارودي بعد استئذانه في هذا الشأن لهو أمر فيه اعتراف بفضل جارودي وبأهمية قراءة هذا الكتاب باستصحاب أطروحات جارودي في كتابيه حوار الحضارات، والأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية كما بين المسيري. كل هذا الزخم قبل الدخول في عرض قضايا الكتاب الرئيسة له معنى واحد هو أنه كتاب في غاية التعقيد بسبب أصالة أطروحته الأساسية ومفارقتها للشائع في فهم الصلة بين النازية والصهيونية في إطار فكرة نهاية التاريخ في الحضارة الغربية.
يعالج الفصل الأول قضية الإبادة النازية ليهود أوربا، ويحاول أن يضعها في سياقها الحضاري الغربي العام. فبعد أن يحلل المسيري جملة المصطلحات التي استخدمت للتعبير عن ظاهرة الإبادة في اللغات الأوربية وفي اللغة العبرية والظلال المختلفة التي اتخذها مفهوم الإبادة هذا، ينتقل إلى بيان أهمية النظر إلى المصطلح بأنه في الأصل "الإبادة النازية ليهود أوربا"، وهذا المصطلح بهذه الكيفية له قدرة تفسيرية أفضل من مصطلح "الهولوكست" ومصطلح "شواه"، وكذلك مصطلح "الحل النهائي".
ويقول المسيري: "أما مصطلحنا فقد حدد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني الأوربي" (ص 24)، وكذلك فإن وصف الظاهرة بهذه الكيفية يضمر معنى الإشارة إلى أقليات أخرى شملتها تلك الإبادة.
إن هذا الاتجاه من المسيري في تعريف ظاهرة الإبادة جعله يضعها في سياق يفيد في فهمها والتعبير عنها في مجال حضاري حاول التنصل منها لأسباب سياسية مؤقتة، وقد أعيد إنتاجها ضمن تعمية سياسية قصد منها إخفاء معالم جريمة تضع الحضارة الغربية أما مأزق إنساني خطير.
لإثبات ذلك تتبع المسيري أولاً المعالم الرئيسة للحضارة الغربية في فهمها للشخصية الإنسانية، ولموضع القيم وموضع الآخر من ذلك النسق، وكيف أن الجماعة اليهودية على مر العصور في الحضارة الغربية كان ينظر إليها بوصفها جماعة وظيفية تتم "حوسلتها" دائماً ضمن أنساق معرفية من كونها "الشعب الشاهد" عند الكنيسة الكاثوليكية، أو أداة استغلال فائض القيمة عند النبلاء، أو عندما ظهرت الفكرة البروتستانتينية اليهودية تفهم ضمن نسق العقيدة الألفية الاسترجاعية. لكن المسيري يرجّح أن العنصر الحاسم في ظهور نـزعة الإبادة في الغرب "هو الرؤية الغربية الحديثة للكون"، وهي رؤية يصفها بأنها "مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب" (ص 26). ثم يبين لنا التدرج التاريخي الذي مرت به هذه الرؤية إلى أن وصلت مرحلة العلمانية الشاملة التي فصلت بين الإنسان والمرجعية المعيارية الغائيّة، فصار الإنسان جزءاً من الطبيعة المادية، وصارت الفلسفة التي تحكمه فلسفة مادية نفعية تجرده من معاني الأخلاق والمسؤولية. وحيال هذه النظرة للإنسان أصبح من الممكن تقسيم البشر إلى "سوبرمن" إمبرياليين يتحكمون في البقية من "السبمن" الذين بطبعهم يذعنون لكونهم أدوات طيعة في يد "السوبرمن". ومن ثم يكون القانون الوحيد المتحكم في هذه العلاقة هو قانون القوة، وعليه تسقط كل القيم الأخلاقية الميتافيزيقية وتصبح هذه الفلسفة الإمبريالية الأداتية هي المسوغ لشبكة العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين البشر. والأمر الذي يفضي إلى النظر إلى البشر "بمنظور مدى نفعهم وفائدتهم ويترتب على ذلك تصنيف البعض بعدم النفع والفائدة وبذلك يصبح هؤلاء عبارة عن فائض بشري تدعو الضرورة العقلية إلى التخلص منهم دون الإحساس تجاههم بأي نوع من التعاطف بسبب أن الأمر كله مرتبط بهذا القانون الموضوعي الجامد (اللاإنساني) الذي ينبثق من هذه الرؤية المادية الواحدية. ثم يورد المسيري بعض العناصر التي ساعدت على بروز هذا الاتجاه في الحضارة الغربية ابتداءً يتصاعد معدلات "المشيحانية العلمية" ومروراً بظهور الأيديولوجيات العلمانية الشاملة مثل الماركسية، والفاشية، وانتهاءً بجملة من النـزعات التجريدية في مستوى المؤسسات، والمجتمع، والدولة المركزية والتي أدت في نهاية الأمر إلى تذويب الشخصية الإنسانية وتجريدها من قيمها الأخلاقية المطلقة وإدراجها في حالة من السيولة النسبية، أي تفكيك الشخصية الإنسانية ونـزع الصفة الإنسانية منها وتحويلها إلى مادة محضة قابلة إلى "الحوسلة"، وتلك هي "قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل" (ص 26).
ويربط المسيري هذا التطور في المصطلحات في التعبير عن الشخصية الإنسانية بمصطلح "نهاية التاريخ"، على أساس أنه في نهاية التاريخ يتم التحكم التام في الإنسان وفي كل شيء، وينتهي الإنسان باعتباره ذلك الكائن الذي يحتل مركز الكون الطبيعي ويتحول إلى شيء من أشياء الطبيعة يمكن "حوسلته". ويذهب المسيري إلى أن هذا التطور الخطير في النظر إلى الإنسان هو الذي جعل الإبادة إمكانية هائلة في التحقق. وبالطبع فهذا يقوّي من منطق الضرورة المنطقية أو الحتمية في الربط بين الإبادة وهذه الرؤية الواحدية المادية الشاملة.
والعقيدة النازية نتاج طبعي لهذا التطور القومي والتجريدي لمفهوم الدولة. وعليه فإن النتيجة المنطقية لتلك العقيدة النازية هي ظاهرة الإبادة التي لم تكن موجهة ضد اليهود وحدهم، ولكنها ضد تلك الطوائف التي تقف في طريق تنفيذ مثل الحلولية الوثنية كما تجسدت في الدولة الألمانية.
أما الفصل الثاني فهو أهم فصل في الكتاب إذ يعالج فيها بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا ويعرض هذه الإشكاليات في محاور ثلاثة:
لمتابعة الموضوع الشيق والمفيد انتقل الى الرابط ادناه
منقول
http://eiiit.org/article_read.asp?articleID=422&catID=257&adad=275