عمرو عبد الخالق
مشرف سابق
هل هلك قوم لوط بأول تفجير نووي في التاريخ في وادي الأردن
عند دراسة الحدث الذي كان فيه هلاك قوم لوط عليه السلام تتداعى تساؤلات كثيرة؛
لماذا مرت الملائكة على إبراهيم قبل الذهاب إلى لوط عليهما السلام؟
ولماذا ارتبطت البشرى بإسحاق عليه السلام بعد عقم طويل بهلاك قوم لوط؟
ولماذا جاءت الملائكة إلى بيت لوط عليه السلام على مسمع ومرأى من قومه؟
وما الحكمة من طمس أعينهم قبل أن يتم هلاكهم؟
ولماذا أمر لوط عليه السلام بالخروج آخر الليل وأُمر باتباع أدبار القرية؟
ولماذا أمروا بعدم الالتفات؟ والمضي حيث أمروا بلا توقف؟
ولماذا تعلم الملائكة لوط عليه السلام بهلاك امرأته قبل وقوع الهلاك؟
وكيف تهلك امرأة لوط عليه السلام وهي معهم ويسلمون هم؟
وكيف جعلت الملائكة عالي القرية أسفلها؟
ومتى كان هذا الحدث؟ وفي أي فصل كان؟ وأين وقع هذا الحدث ؟
وتساؤلات أخرى تطرح نفسها عند الدخول في التفاصيل ...
سنقتصر في هذه الدراسة على ما ورد في القرآن الكريم فقط ... وسنتناسى أي أخبار وصلت إلينا في وصف هذا الحدث عن طريق أهل الكتاب، لم يرد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كسماع صياح الديكة في السماء مثلاً، أو وصف ما حدث لقوم لوط عليه السلام في التوراة على أنه بركان انبعث تحت قريتهم، وعدم الالتفات إلى تعدد قرى قوم لوط وتسمياتها، وأن امرأت لوط جاءها حجر قتلها عندما التفتت لتنظر ما حل بقومها ... لأن هذا الحدث لم تشهده العرب، ونقل إليهم نقلاً، أو القول فيه كان اجتهادًا.
لأن من الطبع الانقياد وراء هذا الأخبار المنقولة، فتتحكم في تقدير الواحد منا للأمور، ويتحول من باحث وناقد لها إلى ناقل ومدافع عنها ... ولدينا المصدر الذي لا يـأتيه الباطل من بين يديه ولا خلف...
في البداية .. أين كانت قرية قوم لوط ؟
يخبرنا تعالى أن إبراهيم ولوط عليهما السلام هاجرا إلى الأرض المباركة؛ قال تعالى: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) العنكبوت، وقوله تعالى (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) الأنبياء، والأرض المباركة هي التي يستقر فيها أهلها لكثرة خيراتها فلا يحتاجون للرحيل عنها طلبًا للرزق في غيرها، والمقصود بالأرض المباركة (المُعرَّفة): هي المنطقة التي هاجر إليها إبراهيم عليه السلام، وفيها أقدم بروك واستقرار بشري معروف (في منطقة أريحا)، وقد جاء في التفسير؛ أن أبا جهل قال لأهل مكة: [أيعدكم محمد أن تكون لكم جنات كجنات الأردن]، ما يدل على اشتهار المنطقة منذ القدم بكثرة الخيرات، وتوفر المياه الدائمة الجريان، ففيها نهر الأردن، والروافد التي تصب فيه، وكذلك الينابيع وعيون الماء، والله تعالى بارك في الشام كلها على العموم .... فمكان سكناهم الجديد هو في مكان ما من غور الأردن من أعلاه إلى ما بعد البحر الميت.
- ومكان قرية قوم لوط معروفة لدى العرب لقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) الصافات، وقوله تعالى: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ(76) الحجر، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا (40) الفرقان، فهي إذن تقع على طريق تجارتهم إلى الشام؛ وهي لا تصلح بعد الحدث للنزول فيها، فإما ينـزلوا قبلها ليمروا عليها في الصباح، وإما يكملوا مسيرهم في الليل ليتعدوها لينزلوا فيما بعدها؛ فهي حول البحر الميت في شماله أو جنوبه، الذي اشتهر باسم بحيرة لوط.لقوله تعالى: (وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35) العنكبوت.
- وجاءت الإشارة أن مكانهم ليس ببعيد عن مدين؛ لقول نبيهم شعيب عليه السلام لهم: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ(89) هود.
- وأن القرية مقامة في منطقة مكونة من طبقات رسوبية وطينية ؛ لقوله تعالى في آيات عديدة: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33) الذاريات، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ(74) الحجر، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ(82) هود؛ فالحجارة الطينية أو الرسوبية هي سجل لتاريخ الأرض، والأحداث والتغيرات التي حدثت عليها، فكانت هذه الحجارة من الطين أسفل القرية قبل الحدث، لتكون أعلاها بعد الحدث والقرية أصبحت أسفلها بعد ذلك.
- كثرت وجود الحصى الذي يدل على وجود الأودية، ومجاري المياه المكونة لها؛ لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ(34) القمر، وأسلوب القرآن الكريم هو أنه يكرر القصة الواحدة ليأتي بكل التفاصيل المراد ذكرها.
- وأرجح أن سكنى قوم لوط عليه السلام كانت جنوب البحر الميت؛ لأن مدينة الخليل التي انسحب إليها إبراهيم عليه السلام، وسكنها بعد ذلك تُطل فقط على الجزء الجنوبي من البحر الميت، وتحجب الجبال عنها معظم البحر الميت .... وأن موقع القرية لم يغمر بمياه البحر أثناء الحدث ولا بعده إلا جزءًا منها لقوله تعالى: (وَلَقَد تَرَكْنَا [مِنْهَا] آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35) العنكبوت.
ما الوقت الذي حدث فيه هلاك قوم لوط عليه السلام؟
كان وقت هلاك قوم لوط عليه السلام بين نهاية الشتاء وبداية الربيع لقوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود، وقوله تعالى: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات، والعجل لا يسمى في اللغة بهذا الاسم إلا في الشهر الأول من عمره، والقرآن الكريم لا يستعمل الأسماء إلا بدلالاتها، ويراعي سبب تسميتها، وولادة البقر تكون في العادة آخر الشتاء لتوفر العشب وعلف الأنعام في الربيع بعده، فتتمكن من إرضاع وإشباع مواليدها، وهذا الوقت مقصود لذاته لأنه لا تكون فيه تجارة، ولا يوجد في المنطقة إلا أهلها، فلا يقع العقاب إلا عليهم فقط.
أما الحدث نفسه فقد وقع في الصباح لقوله تعالى: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود، (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) الحجر، (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ(38) القمر، أما واختيار الهلاك في الصباح مع الشروق فيه حكمة من الله عظيمة، وفيه سلامة لغير أهل القرية؛ فأولاً: من كان نزل القرية أو أطرافها، يكون قد خرج منها وابتعد عنها، لأن من عادة السفر في المناطق الحارة التحرك آخر الليل مبكرًا مع الفجر، وقبل الشروق؛ ليقطع مسافة أطول قبل اشتداد الحر وقبل أن يصيبه الإرهاق والدواب التي معه.
وثانيًا: من أرادها لا يكون قد وصل إليها في هذا الوقت في الغالب. وكان تحديد الملائكة الهلاك لأهل القرية فقط دون من يأتيها..
فكيف تم حشر أهلها فيها حتى لا يفارقوها؟
جاءت الملائكة متوجهين إلى بيت لوط عليه السلام في وضح النهار، على مرأى ومسمع من أهل القرية، وفي ريعان الشباب وصورة جميلة؛ ليزداد أهل القرية فتنة فيهم فيجتمعوا عليهم، فما أن انتشر خبرهم حتى توجه أهل القرية إلى بيت لوط عليه السلام؛ (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ(78) هود، (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ(67) الحجر، (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) الحجر، (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ...(81) هود، فما كان من الملائكة إلا أن طمست أعين من حضر منهم بعد تجمعهم؛ (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) القمر، وظني أن هذه الليلة كانت آخر أيام شهر قمري ليعم عليه الظلام ويشتد، فبهذا الطمس ضمان بقائهم في داخل القرية
ولا يرحل أحد بعيدًا عنها إلى العمل في حدائقها أو مزارعها أو لرعي أنعامهم، وليبقوا في طرقاتهم خارج بيوتهم لا يهتدون إليها سبيلاً، ولا يجدون مبصرًا يقودهم إليها، أو إلى أسفار لهم بعيدًا عنها، وهم يتهددون لوط ويتوعدونه في الصباح، وما يدرون أن الصباح عليهم لا لهم .... وقد سمي الصباح صباحًا لأن فيه أعظم تغير يحس به الإنسان في حياته، وهو التغير من ظلمة الليل إلى نور النهار؛ فكان عليهم أعظم تغير من الحياة إلى الهلاك ثم عذاب الخلد، وكان الصبح موعدهم.. وليس عنهم ببعيد.
فهذا هو تدبير الله في إطباق الهلاك عليهم من دون الناس حتى لا يغادر منهم أحد... فكان تدبيرًا محكمًا ...ولم يكن في القرية من يخاف هلاكه معهم إلا لوط عليه السلام وأهله؛ (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
عند دراسة الحدث الذي كان فيه هلاك قوم لوط عليه السلام تتداعى تساؤلات كثيرة؛
لماذا مرت الملائكة على إبراهيم قبل الذهاب إلى لوط عليهما السلام؟
ولماذا ارتبطت البشرى بإسحاق عليه السلام بعد عقم طويل بهلاك قوم لوط؟
ولماذا جاءت الملائكة إلى بيت لوط عليه السلام على مسمع ومرأى من قومه؟
وما الحكمة من طمس أعينهم قبل أن يتم هلاكهم؟
ولماذا أمر لوط عليه السلام بالخروج آخر الليل وأُمر باتباع أدبار القرية؟
ولماذا أمروا بعدم الالتفات؟ والمضي حيث أمروا بلا توقف؟
ولماذا تعلم الملائكة لوط عليه السلام بهلاك امرأته قبل وقوع الهلاك؟
وكيف تهلك امرأة لوط عليه السلام وهي معهم ويسلمون هم؟
وكيف جعلت الملائكة عالي القرية أسفلها؟
ومتى كان هذا الحدث؟ وفي أي فصل كان؟ وأين وقع هذا الحدث ؟
وتساؤلات أخرى تطرح نفسها عند الدخول في التفاصيل ...
سنقتصر في هذه الدراسة على ما ورد في القرآن الكريم فقط ... وسنتناسى أي أخبار وصلت إلينا في وصف هذا الحدث عن طريق أهل الكتاب، لم يرد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كسماع صياح الديكة في السماء مثلاً، أو وصف ما حدث لقوم لوط عليه السلام في التوراة على أنه بركان انبعث تحت قريتهم، وعدم الالتفات إلى تعدد قرى قوم لوط وتسمياتها، وأن امرأت لوط جاءها حجر قتلها عندما التفتت لتنظر ما حل بقومها ... لأن هذا الحدث لم تشهده العرب، ونقل إليهم نقلاً، أو القول فيه كان اجتهادًا.
لأن من الطبع الانقياد وراء هذا الأخبار المنقولة، فتتحكم في تقدير الواحد منا للأمور، ويتحول من باحث وناقد لها إلى ناقل ومدافع عنها ... ولدينا المصدر الذي لا يـأتيه الباطل من بين يديه ولا خلف...
في البداية .. أين كانت قرية قوم لوط ؟
يخبرنا تعالى أن إبراهيم ولوط عليهما السلام هاجرا إلى الأرض المباركة؛ قال تعالى: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) العنكبوت، وقوله تعالى (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) الأنبياء، والأرض المباركة هي التي يستقر فيها أهلها لكثرة خيراتها فلا يحتاجون للرحيل عنها طلبًا للرزق في غيرها، والمقصود بالأرض المباركة (المُعرَّفة): هي المنطقة التي هاجر إليها إبراهيم عليه السلام، وفيها أقدم بروك واستقرار بشري معروف (في منطقة أريحا)، وقد جاء في التفسير؛ أن أبا جهل قال لأهل مكة: [أيعدكم محمد أن تكون لكم جنات كجنات الأردن]، ما يدل على اشتهار المنطقة منذ القدم بكثرة الخيرات، وتوفر المياه الدائمة الجريان، ففيها نهر الأردن، والروافد التي تصب فيه، وكذلك الينابيع وعيون الماء، والله تعالى بارك في الشام كلها على العموم .... فمكان سكناهم الجديد هو في مكان ما من غور الأردن من أعلاه إلى ما بعد البحر الميت.
- ومكان قرية قوم لوط معروفة لدى العرب لقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) الصافات، وقوله تعالى: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ(76) الحجر، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا (40) الفرقان، فهي إذن تقع على طريق تجارتهم إلى الشام؛ وهي لا تصلح بعد الحدث للنزول فيها، فإما ينـزلوا قبلها ليمروا عليها في الصباح، وإما يكملوا مسيرهم في الليل ليتعدوها لينزلوا فيما بعدها؛ فهي حول البحر الميت في شماله أو جنوبه، الذي اشتهر باسم بحيرة لوط.لقوله تعالى: (وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35) العنكبوت.
- وجاءت الإشارة أن مكانهم ليس ببعيد عن مدين؛ لقول نبيهم شعيب عليه السلام لهم: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ(89) هود.
- وأن القرية مقامة في منطقة مكونة من طبقات رسوبية وطينية ؛ لقوله تعالى في آيات عديدة: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33) الذاريات، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ(74) الحجر، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ(82) هود؛ فالحجارة الطينية أو الرسوبية هي سجل لتاريخ الأرض، والأحداث والتغيرات التي حدثت عليها، فكانت هذه الحجارة من الطين أسفل القرية قبل الحدث، لتكون أعلاها بعد الحدث والقرية أصبحت أسفلها بعد ذلك.
- كثرت وجود الحصى الذي يدل على وجود الأودية، ومجاري المياه المكونة لها؛ لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ(34) القمر، وأسلوب القرآن الكريم هو أنه يكرر القصة الواحدة ليأتي بكل التفاصيل المراد ذكرها.
- وأرجح أن سكنى قوم لوط عليه السلام كانت جنوب البحر الميت؛ لأن مدينة الخليل التي انسحب إليها إبراهيم عليه السلام، وسكنها بعد ذلك تُطل فقط على الجزء الجنوبي من البحر الميت، وتحجب الجبال عنها معظم البحر الميت .... وأن موقع القرية لم يغمر بمياه البحر أثناء الحدث ولا بعده إلا جزءًا منها لقوله تعالى: (وَلَقَد تَرَكْنَا [مِنْهَا] آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35) العنكبوت.
ما الوقت الذي حدث فيه هلاك قوم لوط عليه السلام؟
كان وقت هلاك قوم لوط عليه السلام بين نهاية الشتاء وبداية الربيع لقوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود، وقوله تعالى: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات، والعجل لا يسمى في اللغة بهذا الاسم إلا في الشهر الأول من عمره، والقرآن الكريم لا يستعمل الأسماء إلا بدلالاتها، ويراعي سبب تسميتها، وولادة البقر تكون في العادة آخر الشتاء لتوفر العشب وعلف الأنعام في الربيع بعده، فتتمكن من إرضاع وإشباع مواليدها، وهذا الوقت مقصود لذاته لأنه لا تكون فيه تجارة، ولا يوجد في المنطقة إلا أهلها، فلا يقع العقاب إلا عليهم فقط.
أما الحدث نفسه فقد وقع في الصباح لقوله تعالى: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود، (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) الحجر، (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ(38) القمر، أما واختيار الهلاك في الصباح مع الشروق فيه حكمة من الله عظيمة، وفيه سلامة لغير أهل القرية؛ فأولاً: من كان نزل القرية أو أطرافها، يكون قد خرج منها وابتعد عنها، لأن من عادة السفر في المناطق الحارة التحرك آخر الليل مبكرًا مع الفجر، وقبل الشروق؛ ليقطع مسافة أطول قبل اشتداد الحر وقبل أن يصيبه الإرهاق والدواب التي معه.
وثانيًا: من أرادها لا يكون قد وصل إليها في هذا الوقت في الغالب. وكان تحديد الملائكة الهلاك لأهل القرية فقط دون من يأتيها..
فكيف تم حشر أهلها فيها حتى لا يفارقوها؟
جاءت الملائكة متوجهين إلى بيت لوط عليه السلام في وضح النهار، على مرأى ومسمع من أهل القرية، وفي ريعان الشباب وصورة جميلة؛ ليزداد أهل القرية فتنة فيهم فيجتمعوا عليهم، فما أن انتشر خبرهم حتى توجه أهل القرية إلى بيت لوط عليه السلام؛ (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ(78) هود، (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ(67) الحجر، (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) الحجر، (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ...(81) هود، فما كان من الملائكة إلا أن طمست أعين من حضر منهم بعد تجمعهم؛ (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) القمر، وظني أن هذه الليلة كانت آخر أيام شهر قمري ليعم عليه الظلام ويشتد، فبهذا الطمس ضمان بقائهم في داخل القرية
ولا يرحل أحد بعيدًا عنها إلى العمل في حدائقها أو مزارعها أو لرعي أنعامهم، وليبقوا في طرقاتهم خارج بيوتهم لا يهتدون إليها سبيلاً، ولا يجدون مبصرًا يقودهم إليها، أو إلى أسفار لهم بعيدًا عنها، وهم يتهددون لوط ويتوعدونه في الصباح، وما يدرون أن الصباح عليهم لا لهم .... وقد سمي الصباح صباحًا لأن فيه أعظم تغير يحس به الإنسان في حياته، وهو التغير من ظلمة الليل إلى نور النهار؛ فكان عليهم أعظم تغير من الحياة إلى الهلاك ثم عذاب الخلد، وكان الصبح موعدهم.. وليس عنهم ببعيد.
فهذا هو تدبير الله في إطباق الهلاك عليهم من دون الناس حتى لا يغادر منهم أحد... فكان تدبيرًا محكمًا ...ولم يكن في القرية من يخاف هلاكه معهم إلا لوط عليه السلام وأهله؛ (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
التعديل الأخير: